ابن أبي الحديد
87
شرح نهج البلاغة
واليفاع : الأرض المرتفعة . والتجلجل : صوت الرعد . وما تلاشت عنه بروق الغمام ، هذه الكلمة أهمل بناءها كثير من أئمة اللغة ، وهي صحيحة وقد جاءت ووردت ، قال ابن الاعرابي : لشا الرجل ، إذا اتضع ، وخس بعد رفعه ، وإذا صح أصلها ، صح استعمال الناس ، تلاشى الشئ ، بمعنى اضمحل . وقال القطب الراوندي : تلاشى مركب من ( لا شئ ) ، ولم يقف على أصل الكلمة ، وقد ظهر الان أن معنى كلامه عليه السلام أنه سبحانه يعلم ما يصوت به الرعد ، ويعلم ما يضمحل عنه البرق . فإن قلت : وهل يقصد الرعد بجلجلته معنى معقولا ليقال : إن البارئ يعلمه ؟ ثم ما المراد بكونه عالما بما يضمحل البرق عنه ؟ . قلت : قد يكون تعالى يحدث في الرعد جلجلة ، أي صوتا ليهلك به قوما ، أو لينفع به قوما ، فعلمه بما تتضمنه تلك الجلجلة هو معنى قولنا : يعلم ما يصوت به الرعد ، ولا ريب أن البرق يلمع فيضئ أقطارا مخصوصة ، ثم يتلاشى عنها ، فالبارئ سبحانه عالم بتلك الأقطار التي يتلاشى البرق عنها . فإن قلت : هو سبحانه عالم بما يضيئه البرق ، وبما لا يضيئه ، فلماذا خص بالعالمية ما يتلاشى عنه البرق ؟ قلت : لان علمه بما ليس بمضئ بالبرق أعجب وأغرب ، لان ما يضيئه البرق يمكن أن يعلمه أولو الابصار الصحيحة ، فأراد عليه السلام أن يشرح من صفاته سبحانه ما هو بخلاف المعتاد بين البشر ، ليكون إعظام السامعين له سبحانه أتم وأكمل . والعواصف : الرياح الشديدة ، وأضافها إلى الأنواء ، لان أكثر ما يكون عصفانها في الأنواء ، وهي جمع نوء ، وهو سقوط النجم من منازل القمر الثمانية والعشرين في المغرب